فصل: تفسير الآية رقم (78):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (70):

{فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى}.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ لَمَّا عَايَنُوا عَصَا مُوسَى تَبْتَلِعُ جَمِيعَ حِبَالِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ خَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعَالَى قَائِلِينَ: آمَنَّا بِاللَّهِ الَّذِي هُوَ رَبُّ هَارُونَ وَمُوسَى. فَهَدَاهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْبُرْهَانِ الْإِلَهِيِّ، هَذِهِ الْهِدَايَةَ الْعَظِيمَةَ. وَقَدْ أَوْضَحَ تَعَالَى هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ. كَقَوْلِهِ فِي الْأَعْرَافِ: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [7 117]،
وَقَوْلِهِ فِي الشُّعَرَاءِ: {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [26 45- 48]، وَقَوْلِهِ: فَأُلْقِيَ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الْبُرْهَانِ الَّذِي عَايَنُوهُ. كَأَنَّهُمْ أَمْسَكَهُمْ إِنْسَانٌ وَأَلْقَاهُمْ سَاجِدِينَ بِالْقُوَّةِ لِعِظِمِ الْمُعْجِزَةِ الَّتِي عَايَنُوهَا. وَذَكَرَ فِي قِصَّتِهِمْ أَنَّهُمْ عَايَنُوا مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ فِي سُجُودِهِمْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ نَوْعِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ السَّحَرَةِ فِي حَالِ سُجُودِهِمْ لِلَّهِ مُؤْمِنِينَ بِهِ نَظَرًا إِلَى حَالِهِمُ الْمَاضِيَةِ. كَقَوْلِهِ: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [4 2] فَأَطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ الْيُتْمِ بَعْدَ الْبُلُوغِ نَظَرًا إِلَى الْحَالِ الْمَاضِيَةِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَحَلِّهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَقْدِيمَ هَارُونَ عَلَى مُوسَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِمُرَاعَاةِ فَوَاصِلِ الْآيَاتِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ عِلْمَ السِّحْرِ مَعَ خِسَّتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ، وَلَا يَنْفَعُ، قَدْ كَانَ سَبَبًا لِإِيمَانِ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ. لِأَنَّهُمْ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِالسِّحْرِ عَرَفُوا مُعْجِزَةَ الْعَصَا خَارِجَةً عَنْ طَوْرِ السِّحْرِ، وَأَنَّهَا أَمْرٌ إِلَهِيٌّ فَلَمْ يُدَاخِلْهُمْ شَكٌّ فِي ذَلِكَ. فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِيمَانِهِمُ الرَّاسِخِ الَّذِي لَا يُزَعْزِعُهُ الْوَعِيدُ، وَالتَّهْدِيدُ. وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ عَالِمِينَ بِالسِّحْرِ جِدًّا، لَأَمْكَنَ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ مَسْأَلَةَ الْعَصَا مِنْ جِنْسِ الشَّعْوَذَةِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

.تفسير الآية رقم (71):

{قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى}.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ لَمَّا آمَنُوا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: آمَنْتُمْ لَهُ أَيْ: صَدَّقْتُمُوهُ فِي أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ، وَآمَنْتُمْ بِاللَّهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ. يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمْ يَكُفُّوا عَنِ الْإِيمَانِ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُمْ، لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُمْ لَا يَحِقُّ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا شَيْئًا إِلَّا بَعْدَ إِذْنِهِ هُوَ لَهُمْ. وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا: إِنَّ مُوسَى هُوَ كَبِيرُهُمْ. أَيْ: كَبِيرُ السَّحَرَةِ وَأُسْتَاذُهُمُ الَّذِي عَلَّمَهُمُ السِّحْرَ. ثُمَّ هَدَّدَهُمْ مُقْسِمًا عَلَى أَنَّهُ يَقْطَعُ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ؛ يَعْنِي الْيَدَ الْيُمْنَى، وَالرِّجْلَ الْيُسْرَى مَثَلًا. لِأَنَّهُ أَشَدُّ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ قَطْعِهِمَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ. لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ قَطْعُهُمَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ يَبْقَى عِنْدَهُ شِقٌّ كَامِلٌ صَحِيحٌ، بِخِلَافِ قَطْعِهِمَا مِنْ خِلَافٍ. فَالْجَنْبُ الْأَيْمَنُ يَضْعُفُ بِقَطْعِ الْيَدِ، وَالْأَيْسَرُ يَضْعُفُ بِقَطْعِ الرِّجْلِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَأَنَّهُ يُصَلِّبُهُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ، وَجِذْعُ النَّخْلَةِ هُوَ أَخْشَنُ جِذْعٍ مِنْ جُذُوعِ الشَّجَرِ، وَالتَّصْلِيبُ عَلَيْهِ أَشَدُّ مِنَ التَّصْلِيبِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْجُذُوعِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ.
وَمَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا عَنْهُ هُنَا أُوَضِّحُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَيْضًا. كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} [26 49]. وَذَكَرَ هَذَا أَيْضًا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَزَادَ فِيهَا التَّصْرِيحَ بِفَاعِلٍ، قَالَ: وَادِّعَاءُ فِرْعَوْنَ أَنَّ مُوسَى، وَالسَّحَرَةَ تَمَالَئُوا عَلَى أَنْ يُظْهِرُوا أَنَّهُ غَلَبَهُمْ مَكْرًا لِيَتَعَاوَنُوا عَلَى إِخْرَاجِ فِرْعَوْنِ وَقَوْمِهِ مِنْ مِصْرَ. وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} [7 123- 124] وَقَوْلُهُ فِي طه: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ يُبَيِّنُ أَنَّ التَّصْلِيبَ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ هُوَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ فِي الْأَعْرَافِ، وَالشُّعَرَاءِ: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} [7 124، 26 49]. أَيْ: فِي جُذُوعِ النَّخْلِ، وَتَعْدِيَةُ التَّصْلِيبِ بِفِي أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ سُوِيدِ بْنِ أَبِي كَاهِلٍ:
هُمُ صَلَبُوا الْعَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ ** فَلَا عَطَسَتْ شَيْبَانُ إِلَّا بِأَجْدَعَا

وَمَعْلُومٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ: أَنَّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ اسْتِعَارَةً تَبَعِيَّةً فِي مَعْنَى الْحَرْفِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِيضَاحُ كَلَامِهِمْ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ. وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي كِتَابِنَا الْمُسَمَّى مَنْعُ جَوَازِ الْمَجَازِ فِي الْمُنَزَّلِ لِلتَّعَبُّدِ وَالْإِعْجَازِ. أَنَّ مَا يُسَمِّيهِ الْبَلَاغِيُّونَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ مَجَازًا كُلَّهَا أَسَالِيبٌ عَرَبِيَّةٌ نَطَقَتْ بِهَا الْعَرَبُ فِي لُغَتِهَا. وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ عَدَمِ جَوَازِ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمَحْذُورِ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا: يَعْنِي أَنَا، أَمْ رَبُّ مُوسَى أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى. وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقُرْطُبِيُّ. وَعَلَيْهِ فَفِرْعَوْنُ يَدَّعِي أَنَّ عَذَابَهُ أَشَدُّ وَأَبْقَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [79 24]، وَقَوْلِهِ: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [28 38]، وَقَوْلِهِ: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [26 29]. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَنَا، أَمْ مُوسَى أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى. وَعَلَى هَذَا فَهُوَ كَالتَّهَكُّمِ بِمُوسَى لِاسْتِضْعَافِهِ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُعَذِّبَ مَنْ لَمْ يُطِعْهُ. كَقَوْلِهِ: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} [43 52]. وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا: هَلْ فَعَلَ بِهِمْ فِرْعَوْنُ مَا تَوَعَّدَهُمْ بِهِ، أَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ بِهِمْ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: قَتَلَهُمْ وَصَلَبَهُمْ. وَقَوْمٌ أَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَأَظْهَرُهُمَا عِنْدِي: أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُمْ، وَأَنَّ اللَّهَ عَصَمَهُمْ مِنْهُ لِأَجْلِ إِيمَانِهِمُ الرَّاسِخِ بِاللَّهِ تَعَالَى. لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِمُوسَى وَهَارُونَ: {أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [28 35]، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

.تفسير الآية رقم (72):

{قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}.
قَوْلُهُ: {لَنْ نُؤْثِرَكَ} أَيْ: لَنْ نَخْتَارَ اتِّبَاعَكَ وَكَوْنُنَا مِنْ حِزْبِكَ، وَسَلَامَتُنَا مِنْ عَذَابِكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ. كَمُعْجِزَةِ الْعَصَا الَّتِي أَتَتْنَا وَتَيَقَنَّا صِحَّتَهَا. وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَالَّذِي فَطَرَنَا عَاطِفَةٌ عَلَى مَا مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى مَا جَاءَنَا أَيْ: لَنْ نَخْتَارَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَلَا عَلَى وَالَّذِي فَطَرَنَا أَيْ: خَلَقَنَا وَأَبْرَزَنَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ. وَقِيلَ: هِيَ وَاوُ الْقَسَمِ، وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ. أَيْ: وَالَّذِي فَطَرَنَا لَا نُؤْثِرُكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ فَاقْضِ مَا أَيِ: اصْنَعْ مَا أَنْتَ صَانِعٌ. فَلَسْنَا رَاجِعِينَ عَمَّا نَحْنُ عَلَيْهِ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا أَيْ: إِنَّمَا يَنْفُذُ أَمْرُكَ فِيهَا. فَهَذِهِ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ عَلَى الْأَصَحِّ. أَيْ: وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يُهِمُّ لِسُرْعَةِ زَوَالِهَا وَانْقِضَائِهَا.
وَمَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا عَنْهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: مِنْ ثَبَاتِهِمْ عَلَى الْإِيمَانِ، وَعَدَمِ مُبَالَاتِهِمْ بِتَهْدِيدِ فِرْعَوْنَ وَوَعِيدِهِ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ قَدْ ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ فِي الشُّعَرَاءِ عَنْهُمْ فِي الْقِصَّةِ بِعَيْنِهَا: {قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ} [26/ 50]. وَقَوْلِهِ فِي الْأَعْرَافِ: {قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [7 125- 126]. وَقَوْلُهُ: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ عَائِدُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، أَيْ: مَا أَنْتَ قَاضِيهِ لِأَنَّهُ مَخْفُوضٌ بِالْوَصْفِ، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
كَذَاكَ حَذْفُ مَا بِوَصْفٍ خُفِضَا ** كَأَنْتَ قَاضٍ بَعْدَ أَمْرٍ مِنْ قَضَى

وَنَظِيرُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ نَاشِبٍ الْمَازِنِيِّ:
وَيَصْغُرُ فِي عَيْنَيْ تِلَادِي إِذَا انْثَنَتْ ** يَمِينِي بِإِدْرَاكِ الَّذِي كُنْتُ طَالِبًا

أَيْ: طَالِبَهُ.

.تفسير الآية رقم (73):

{إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللَّهُ لَمَّا قَالَ لِلسَّحَرَةِ مَا قَالَ لَمَّا آمَنُوا، قَالُوا لَهُ: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا} [20 73] يَعْنُونَ ذُنُوبَهُمُ السَّالِفَةَ كَالْكُفْرِ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَعَاصِي وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ أَيْ: وَيَغْفِرُ لَنَا مَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهُمْ هُنَا أَشَارَ لَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الشُّعَرَاءِ عَنْهُمْ: {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} [26 50- 51] وَقَوْلُهُ عَنْهُمْ فِي الْأَعْرَافِ: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [7 126]. وَفِي آيَةِ طه هَذَا سُؤَالٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: {قَوْلُهُمْ وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ} [20 73] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَكْرَهَهُمْ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ دَلَّتْ آيَاتٌ أُخَرُ عَلَى أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ طَائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ، كَقَوْلِهِ فِي طه: {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} [20 62- 63]. فَقَوْلُهُمْ: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا} [20 64] صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ غَيْرُ مُكْرَهِينَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَنْهُمْ فِي الشُّعَرَاءِ: {قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [26 41] وَقَوْلُهُ فِي الْأَعْرَافِ: {قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [7 113- 114] فَتِلْكَ الْآيَاتُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ مُكْرَهِينَ.
وَلِلْعُلَمَاءِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ أَجْوِبَةٌ مَعْرُوفَةٌ:
مِنْهَا: أَنَّهُ أَكْرَهَهُمْ عَلَى الشُّخُوصِ مِنْ أَمَاكِنِهِمْ لِيُعَارِضُوا مُوسَى بِسِحْرِهِمْ، فَلَمَّا أُكْرِهُوا عَلَى الْقُدُومِ وَأُمِرُوا بِالسِّحْرِ أَتَوْهُ طَائِعِينَ، فَإِكْرَاهُهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَطَوْعُهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى آخِرِ الْأَمْرِ، فَانْفَكَّتَ الْجِهَةُ وَبِذَلِكَ يَنْتَفِي التَّعَارُضُ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ: {وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [26 36] وَقَوْلُهُ: {وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [7 111].
وَمِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ يُكْرِهُهُمْ عَلَى تَعْلِيمِ أَوْلَادِهِمُ السِّحْرَ فِي حَالِ صِغَرِهِمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُرَادُهُمْ بِإِكْرَاهِهِمْ عَلَى السِّحْرِ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا مِنَ السِّحْرِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِمْ وَكِبَرِهِمْ طَائِعِينَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ: أَرِنَا مُوسَى نَائِمًا: فَفَعَلَ فَوَجَدُوهُ قُرْبَ عَصَاهُ، فَقَالُوا: مَا هَذَا بِسِحْرِ السَّاحِرِ! لِأَنَّ السَّاحِرَ إِذَا نَامَ بَطَلَ سِحْرُهُ. فَأَبَى إِلَّا أَنْ يُعَارِضُوهُ، وَأَلْزَمَهُمْ بِذَلِكَ. فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنْ ذَلِكَ فَعَلُوهُ طَائِعِينَ. وَأَظْهَرُهَا عِنْدِي الْأَوَّلُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ خَطَايَانَا جَمْعُ خَطِيئَةٍ، وَهِيَ الذَّنْبُ الْعَظِيمُ. كَالْكُفْرِ وَنَحْوِهِ. وَالْفَعِيلَةُ تُجْمَعُ عَلَى فَعَائِلَ، وَالْهَمْزَةُ فِي فَعَائِلَ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْيَاءِ فِي فَعِيلَةٍ، وَمِثْلُهَا الْأَلِفُ، وَالْوَاوُ، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
وَالْمَدُّ زِيدَ ثَالِثًا فِي الْوَاحِدِ ** هَمْزًا يُرَى فِي مِثْلِ كَالْقَلَائِدِ

فَأَصْلُ خَطَايَا خَطَائِيِ بِيَاءٍ مَكْسُورَةٍ، وَهِيَ يَاءُ خَطِيئَةٍ، وَهَمْزَةٍ بَعْدَهَا هِيَ لَامُ الْكَلِمَةِ. ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْيَاءُ هَمْزَةً عَلَى حَدِّ الْإِبْدَالِ فِي صَحَائِفَ فَصَارَتْ خَطَائِئَ بِهَمْزَتَيْنِ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الثَّانِيَةُ يَاءً لِلُزُومِ إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ الْمُتَطَرِّفَةِ بَعْدَ الْهَمْزَةِ الْمَكْسُورَةِ يَاءً، فَصَارَتْ خَطَائِيَ، ثُمَّ فُتِحَتِ الْهَمْزَةُ الْأُولَى تَخْفِيفًا فَصَارَ خَطَاءَيَ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا فَصَارَ خَطَاءَا بِأَلِفَيْنِ بَيْنَهُمَا هَمْزَةٌ، وَالْهَمْزَةُ تُشْبِهُ الْأَلِفَ، فَاجْتَمَعَ شِبْهُ ثَلَاثَةِ أَلِفَاتٍ، فَأُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ يَاءً فَصَارَ خَطَايَا بَعْدَ خَمْسَةِ أَعْمَالٍ، وَإِلَى مَا ذَكَرْنَا أَشَارَ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
وَافْتَحْ وَرُدَّ الْهَمْزَ يَا فِيمَا أُعِلَّ ** لَامًا وَفِي مِثْلِ هِرَاوَةٍ جُعِلْ

وَاوًا، إِلَخْ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ظَاهِرُهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ: أَنَّ الْمَعْنَى خَيْرٌ مِنْ فِرْعَوْنَ وَأَبْقَى مِنْهُ. لِأَنَّهُ بَاقٍ لَا يَزُولُ مُلْكُهُ، وَلَا يُذَلُّ، وَلَا يَمُوتُ، وَلَا يُعْزَلُ. كَمَا أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا} [16 52]. أَيْ: بِخِلَافِ فِرْعَوْنَ، وَغَيْرِهِ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى، بَلْ يَمُوتُ أَوْ يُعْزَلُ، أَوْ يُذَلُّ بَعْدَ الْعِزِّ. وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّ ثَوَابَهُ خَيْرٌ مِمَّا وَعَدَهُمْ فِرْعَوْنُ فِي قَوْلِهِ: {قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [7 113- 114]. وَأَبْقَى: أَيْ: أَدْوَمُ. لِأَنَّ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ فِرْعَوْنُ زَائِلٌ، وَثَوَابُ اللَّهِ بَاقٍ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [16 96] وَقَالَ تَعَالَى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [87 16]. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَأَبْقَى أَيْ: أَبْقَى عَذَابًا مِنْ عَذَابِكَ، وَأَدْوَمُ مِنْهُ. وَعَلَيْهِ فَهُوَ رَدٌّ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى وَمَعْنَى أَبْقَى أَكْثَرُ بَقَاءً.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا}.
ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: إِنَّهُ أَيِ: الْأَمْرُ وَالشَّأْنُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي حَالِ كَوْنِهِ مُجْرِمًا أَيْ: مُرْتَكِبًا الْجَرِيمَةَ فِي الدُّنْيَا حَتَّى مَاتَ عَلَى ذَلِكَ كَالْكَافِرِ عِيَاذًا بِاللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ فِيهَا فَلَا يَمُوتُ فَيَسْتَرِيحُ وَلَا يَحْيَا حَيَاةً فِيهَا رَاحَةٌ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا أُوَضِّحُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: كَقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} [30 36] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [14 15- 17] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [4 56] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا} [87 11- 13] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [43 77] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَحَدِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ:
أَلَا مَنْ لِنَفْسٍ لَا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ** شَقَاهَا وَلَا تَحْيَا حَيَاةً لَهَا طَعْمُ

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا}.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ وَمَنْ يَأْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي حَالِ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ أَيْ: فِي الدُّنْيَا حَتَّى مَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَأُولَئِكَ لَهُمُ عِنْدَ اللَّهِ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا وَالْعُلَا: جَمْعُ عُلْيَا وَهِيَ تَأْنِيثُ الْأَعْلَى. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [17 21] وَقَوْلِهِ: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [6 132] وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

.تفسير الآية رقم (77):

{وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى}.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. أَنَّهُ أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ مُوسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَنْ يَسْرِيَ بِعِبَادِهِ، وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَيُخْرِجَهُمْ مِنْ قَبْضَةِ فِرْعَوْنَ لَيْلًا، وَأَنْ يَضْرِبَ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا، أَيْ: يَابِسًا لَا مَاءَ فِيهِ، وَلَا بَلَلَ، وَأَنَّهُ لَا يَخَافُ دَرَكًا مِنْ فِرْعَوْنَ وَرَاءَهُ أَنْ يَنَالَهُ بِسُوءٍ. وَلَا يَخْشَى مِنَ الْبَحْرِ أَمَامَهُ أَنْ يَغْرَقَ قَوْمُهُ. وَقَدْ أَوْضَحَ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [26 52- 63].
فَقَوْلُهُ فِي الشُّعَرَاءِ: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [26 63] أَيْ: فَضَرَبَهُ فَانْفَلَقَ يُوَضِّحُ مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا} [20 77] وَقَوْلُهُ: {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [26 61- 62] يُوَضِّحُ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي الدُّخَانِ: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} [44 22- 24] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالْقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ وَاضِحَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ: {أَنِ اسْرِ} بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَكَسْرِ نُونٍ أَنْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَالْبَاقُونَ قَرَءُوا أَنْ أَسْرِ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ إِسْكَانِ نُونِ أَنْ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ هُودٍ أَنَّ أَسْرَى وَسَرَى لُغَتَانِ وَبَيَّنَا شَوَاهِدَ ذَلِكَ الْعَرَبِيَّةَ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ لَا تَخَفْ بِسُكُونِ الْفَاءِ بِدُونِ أَلِفٍ بَيْنَ الْخَاءِ، وَالْفَاءِ، وَهُوَ مَجْزُومٌ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الطَّلَبِ، أَيْ: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَفْ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْجَزْمِ بِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الطَّلَبِ، أَيْ: أَنْ تَضْرِبَ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَفْ. وَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ: {لَا تَخَافُ} بِالرَّفْعِ، فَلَا إِشْكَالَ فِي قَوْلِهِ وَلَا تَخْشَى لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ بِضَمَّةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلَى الْأَلِفِ، مَعْطُوفٌ عَلَى فِعْلٍ مُضَارِعٍ مَرْفُوعٍ هُوَ قَوْلُهُ: لَا تَخَافُ.
وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ: {لَا تَخَفْ} بِالْجَزْمِ فَفِي قَوْلِهِ وَلَا تَخْشَى إِشْكَالٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مُضَارِعٍ مَجْزُومٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي جَزْمَهُ، وَلَوْ جُزِمَ لَحُذِفَتِ الْأَلِفُ مِنْ تَخْشَى عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَاحْذِفْ جَازِمًا ** ثَلَاثَهُنَّ تَقْضِ حُكْمًا لَازِمًا

وَالْأَلِفُ لَمْ تُحْذَفْ فَوَقَعَ الْإِشْكَالُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ وَلَا تَخْشَى مُسْتَأْنَفٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وَأَنْتَ لَا تَخْشَى، أَيْ: وَمِنْ شَأْنِكَ أَنَّكَ آمِنٌ لَا تَخْشَى.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْفِعْلَ مَجْزُومٌ، وَالْأَلِفُ لَيْسَتْ هِيَ الْأَلِفُ الَّتِي فِي مَوْضِعِ لَامِ الْكَلِمَةِ، وَلَكِنَّهَا زِيدَتْ لِلْإِطْلَاقِ مِنْ أَجْلِ الْفَاصِلَةِ، كَقَوْلِهِ: {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ} [33 67] وَقَوْلِهِ: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ} [33 10].
وَالثَّالِثُ: أَنَّ إِشْبَاعَ الْحَرَكَةِ بِحَرْفِ مَدٍّ يُنَاسِبُهَا أُسْلُوبٌ مَعْرُوفٌ مِنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، كَقَوْلِ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَقَّاصٍ الْحَارِثِيِّ:
وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ** كَأَنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا

وَقَوْلِ الرَّاجِزِ:
إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقْ ** وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقْ

وَقَوْلِ الْآخَرِ:
قُلْتُ وَقَدْ خَرَّتْ عَلَى الْكَلْكَالِ ** يَا نَاقَتِي مَا جُلْتِ مِنْ مَجَالِ

وَقَوْلِ عَنْتَرَةَ فِي مُعَلَّقَتِهِ:
يَنْبَاعُ مِنْ ذَفِرَيْ غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ** زَيَّافَةٍ مِثْلَ الْفَنِيقِ الْمُكْدَمِ

فَالْأَصْلُ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ: كَأَنْ لَمْ تَرَ، وَلَكِنَّ الْفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ. وَالْأَصْلُ فِي الثَّانِي، وَلَا تَرْضَهَا، وَلَكِنَّ الْفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ. وَالْأَصْلُ فِي الثَّالِثِ عَلَى الْكَلْكَالِ يَعْنِي الصَّدْرَ، وَلَكِنَّ الْفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ. وَالْأَصْلُ فِي الرَّابِعِ يَنْبُعُ يَعْنِي أَنَّ الْعَرَقَ يَنْبُعُ مِنْ عَظْمِ الذِّفْرَى مِنْ نَاقَتِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَلَكِنَّ الْفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ، وَإِشْبَاعُ الْفَتْحَةِ بِأَلْفٍ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَأَمْثَالِهَا مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ لَيْسَ لِضَرُورَةٍ لِلشِّعْرِ لِتَصْرِيحِ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ بِأَنَّهُ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَسْمُوعٌ فِي النَّثْرِ، كَقَوْلِهِمْ فِي النَّثْرِ: كَلْكَالٌ، وَخَاتَامٌ، وَدَانَاقٌ، يَعْنُونَ كَلْكَلًا، وَخَاتَمًا، وَدَانِقًا. وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَأَكْثَرْنَا مِنْ شَوَاهِدِهَا الْعَرَبِيَّةِ فِي كِتَابِنَا دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ فِي سُورَةِ الْبَلَدِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [90 1] مَعَ قَوْلِهِ: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [95 3] وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا: فَاجْعَلْ لَهُمْ طَرِيقًا، مِنْ قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ فِي مَالِهِ سَهْمًا، وَضَرَبَ اللَّبِنَ عَمِلَهُ اهـ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ يَبَسًا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ جَاءَتْ عَلَى فَعَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ كَبَطَلٍ وَحَسَنٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْيُبْسُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. يُقَالُ: يَبِسَ يَبَسًا وَيُبْسًا، وَنَحْوُهُمَا الْعَدَمُ، وَالْعُدْمُ، وَمِنْ ثَمَّ وُصِفَ بِهِ الْمُؤَنَّثُ فَقِيلَ: شَاتُنَا يُبْسٌ، وَنَاقَتُنَا يُبْسٌ. إِذَا جَفَّ لَبَنُهَا.
وَقَوْلُهُ: {لَا تَخَافُ دَرَكًا} الدَّرَكُ: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الْإِدْرَاكِ، أَيْ: لَا يُدْرِكُ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، وَلَا يَلْحَقُونَكَ مِنْ وَرَائِكَ، وَلَا تَخْشَى مِنَ الْبَحْرِ أَمَامَكَ. وَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ لَا تَخَافُ فَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ فَاضْرِبْ أَيْ: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي حَالِ كَوْنِكَ غَيْرَ خَائِفٍ دَرَكًا، وَلَا خَاشٍ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُضَارِعَ الْمَنْفِيَّ بِلَا إِذَا كَانَتْ جُمْلَتُهُ حَالِيَّةً وَجَبَ الرَّبْطُ فِيهَا بِالضَّمِيرِ وَامْتَنَعَ بِالْوَاوِ. كَقَوْلِهِ هُنَا: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا أَيْ: فِي حَالِ كَوْنِكَ لَا تَخَافُ دَرَكًا، وَقَوْلِهِ: {مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ} [27 20] وَقَوْلِهِ: {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ} [5 84] وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا لِارْتِفَاعِ قَبِيلَةٍ ** دَخَلُوا السَّمَاءَ دَخَلْتُهَا لَا أُحْجَبُ

يَعْنِي دَخَلْتُهَا فِي حَالِ كَوْنِي غَيْرَ مَحْجُوبٍ، وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ ** حَوَتْ ضَمِيرًا وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ

فِي مَفْهُومِهِ تَفْصِيلٌ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي عِلْمِ النَّحْوِ.

.تفسير الآية رقم (78):

{فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}.
التَّحْقِيقُ أَنَّ أَتْبَعَ وَاتَّبَعَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. فَقَوْلُهُ: فَ {أَتْبَعَهُمْ} أَيِ: اتَّبَعَهُمْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [37/ 10] وَقَوْلُهُ: {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} الْآيَةَ [7/ 175]. وَالْمَعْنَى: {أَنَّ مُوسَى لَمَّا أَسْرَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْلًا أَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ} [20/ 78] أَيِ: الْبَحْرِ مَا غَشِيَهُمْ أَيْ: أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ فِي الْبَحْرِ فَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ. وَمَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ أَنَّ فِرْعَوْنَ أَتْبَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُوَ وَجُنُودُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ أَغْرَقَهُمْ فِي الْبَحْرِ أُوَضِّحُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُمُ اتَّبَعُوهُمْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ عِنْدَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ، فَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى اتِّبَاعِهِ لَهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الشُّعَرَاءِ: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} [26/ 52] يَعْنِي سَيَتْبَعُكُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ اتِّبَاعِهِ لَهُمْ فَقَالَ: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [26/ 53- 62].
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ أَيْ: أَوَّلَ النَّهَارِ عِنْدَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ. وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي يُونُسَ: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا} [10/ 90] وَقَوْلُهُ فِي الدُّخَانِ: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} [44/ 23] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى إِتْبَاعِهِ لَهُمْ. وَأَمَّا غَرَقُهُ هُوَ وَجَمِيعُ قَوْمِهِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ هُنَا: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ فَقَدْ أَوْضَحَهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ. كَقَوْلِهِ فِي الشُّعَرَاءِ: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [26/ 63- 67] وَقَوْلِهِ فِي الْأَعْرَافِ: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} [136] وَقَوْلِهِ فِي الزُّخْرُفِ: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [43/ 55] وَقَوْلِهِ فِي الْبَقَرَةِ: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [2/ 50] وَقَوْلِهِ فِي يُونُسَ: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [10/ 90] وَقَوْلِهِ فِي الدُّخَانِ: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} [44/ 24] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَالتَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ الْمُبْهَمِ الَّذِي هُوَ الْمَوْصُولُ فِي قَوْلِهِ: {فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} [20/ 78] يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ الْأَمْرِ وَتَفْخِيمِ شَأْنِهِ، وَنَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [53/ 16] وَقَوْلُهُ: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} [53/ 53- 54] وَقَوْلُهُ: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [53/ 10]. وَالْيَمُّ: الْبَحْرُ. وَالْمَعْنَى: فَأَصَابَهُمْ مِنَ الْبَحْرِ مَا أَصَابَهُمْ وَهُوَ الْغَرَقُ، وَالْهَلَاكُ الْمُسْتَأْصِلُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى}.
يَعْنِي أَنَّ فِرْعَوْنَ أَضَلَّ قَوْمَهُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَمَا هَدَاهُمْ إِلَيْهَا. وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا كَذِبَ فِرْعَوْنَ فِي قَوْلِهِ: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [40 29] وَمِنَ الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةِ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [11 96- 98] وَالنُّكْتَةُ الْبَلَاغِيَّةُ فِي حَذْفِ الْمَفْعُولِ فِي قَوْلِهِ وَمَا هَدَى وَلَمْ يَقُلْ وَمَا هَدَاهُمْ، هِيَ مُرَاعَاةُ فَوَاصِلِ الْآيَاتِ، وَنَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [93 3].